الآلوسي
323
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
السؤال . ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر . وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار ، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه جماعة من المفسرين . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم : هل بلغكم الرسل ؟ ويقال . للمرسلين : ما ذا ردوا عليكم . وأخرج أيضا عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال : يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك ألم أجعل لك جسدا ففيم أبليته ؟ ألم أجعل لك علما ففيم عملت بما عملت ؟ ألم أجعل لك مالا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي ؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته ؟ . وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال الإمام : يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسئل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده ، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه ، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال عبادة فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أخذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ قيل أي على الرسل حين يكلون الأمر إلى علمه تعالى ويقولون لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 109 ] أو عليهم وعلى المرسل إليهم جميعا جميع أحوالهم . وعن ابن عباس أنه ينطق عليهم كتاب أعمالهم بِعِلْمٍ أي عالمين بظواهرهم وبواطنهم أو بمعلومنا منهم ، والباء على الأول للملابسة ؛ والجار والمجرور حال من فاعل « نقص » ، وعلى الثاني الباء متعلق بنقص وَما كُنَّا غائِبِينَ عنهم في حال من الأحوال ، والمراد الإحاطة التامة بأحوالهم وأفعالهم بحيث لا يشذ منها شيء عن علمه سبحانه ، والجملة إما حال أو استئناف لتأكيد ما قبله . وَالْوَزْنُ أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح والتمييز بين الراجح منها والخفيف والجيد والرديء . وهو مبتدأ وقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ متعلق بمحذوف خبره ، وقوله تعالى الْحَقُّ صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون السؤال والقص . واختار هذا بعض من المعربين ، وقيل : الظاهر أن الْحَقُّ خبر و يَوْمَئِذٍ ظرف للوزن لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف . ولعل وجه عدم اختيار هذا أن فيه أعمال المصدر المعرف وهو قليل . وفي الكشف ليس المعنى على أن الوزن هو الحق بل أن الوزن الحق يكون يومئذ ألا يرى إلى قوله سبحانه : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ الأنبياء : 47 ] . وذكر الأصفهاني في شرح اللمع لابن جني أن الْحَقُّ بدل من الضمير المستتر في الظرف ، وهو وجه حسن إلا أن الأول رجح جانب المعنى ولم يبال بالفصل بالخبر لاتحاده من وجه بالمبتدإ لا سيما والظرف يتوسع فيه . وجوز أبو البقاء أن يكون الْحَقُّ خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل : ما ذلك الوزن ؟ فقيل : هو الحق أي العدل السوي . وأن يكون الْوَزْنُ خبر مبتدأ محذوف أيضا أي هذا الوزن . وهو كما ترى . وقرئ الْقِسْطَ والوزن - كما قال الراغب - معرفة قدر الشيء يقال : وزنته وزنا وزنة ، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر بالقسطاس والقبان . واختلف في كيفيته يوم القيامة . والجمهور - كما قال القاضي - على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة كما يسألون من أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم . ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها . ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم وصححه ، والبيهقي ، وغيرهم عن عبد الله بن